صفي الرحمان مباركفوري

51

الرحيق المختوم

سنة خرج تاجرا إلى الشام في مال خديجة رضي اللّه عنها ، قال ابن إسحاق : كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم ، وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه ، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال لها ميسرة ، فقبله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منها ، وخرج في مالها ذلك ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام « 1 » . زواجه خديجة ولما رجع إلى مكة ، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا ، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى اللّه عليه وسلم من خلال عذبة ، وشمائل كريمة ، وفكر راجح ، ومنطق صادق ، ونهج أمين . وجدت ضالتها المنشودة - وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها ، فتأبى عليهم ذلك - فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منية ، وهذه ذهبت إليه صلى اللّه عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة ، فرضي بذلك ، وكلم أعمامه ، فذهبوا إلى عم خديجة ، وخطبوها إليه ، وعلى إثر ذلك تم الزواج ، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر ، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين ، وأصدقها عشرين بكرة ، وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة ، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبا وثروة وعقلا ، وهي أول امرأة تزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت « 2 » . وكل أولاده صلى اللّه عليه وسلم منها سوى إبراهيم ، ولدت له أولا القاسم - وبه كان يكنى - ثم زينب ورقية ، وأم كلثوم وفاطمة وعبد اللّه ، وكان عبد اللّه يلقب بالطيب والطاهر ، ومات بنوه كلهم في صغرهم ، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن ، إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، سوى فاطمة رضي اللّه عنها فقد تأخرت بعده ستة أشهر ، ثم لحقت به « 3 » .

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 187 ، 188 . ( 2 ) ابن هشام 1 / 189 ، 190 ، فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 59 ، تلقيح فهوم أهل الأثر ص 7 . ( 3 ) نفس المصدر الأول 1 / 190 ، 191 ، والثاني ص 60 ، وفتح الباري 7 / 507 وبين المصادر اختلاف يسير أخذنا ما هو الراجح عندنا .